الإسلام والبيئة

يحتفل العالم سنويا بيوم البيئة، ويباهي العالم الغربي بهذا اليوم، وسبقه في التنادي بالحفاظ على البيئة ورعايتها، والمتأمل في الإسلام وتشريعه، وبخاصة آيات القرآن الكريم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، يجدها قد زخرت بنصوص عديدة في الاهتمام بالبيئة، والحفاظ عليها، ورعايتها، بحيث لا يتسع المقام في مقال قصير كهذا إلى سرد موقف الإسلام كاملا من البيئة، ولكني أقتطف بعضا من هذه النظرات والنصوص الإسلامية تجاه البيئة، وموقف الإسلام منها.
يتجه الإسلام إلى البيئة اتجاهين اثنين، الاتجاه الأول: الحفاظ عليها، وعدم إفسادها، وتخريبها، وفي ذلك يقول الله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) فهو ينهى هنا عن أي لون من ألوان الإفساد في الأرض، ومنها بلا شك الإفساد البيئي، فقد أعطى الله الإنسان البيئة صالحة لخدمته، مسخرة لأغراضه الصالحة، ولذا كان عليه أن يحافظ على صلاحها، ويجعلها صالحة كما تسلمها، وألا يكون معول هدم فيها، وإلا صار مفسدا في الأرض، ويبين القرآن موقف الله عز وجل من المفسدين: (إن الله لا يحب المفسدين)، فمطلوب من المسلم أن يحافظ على البيئة، فما وجده فيها من خير ونماء يحافظ عليه، ولا يدمره ولا يفسده. ورأينا سنة النبي صلى الله عليه وسلم تحث المسلم على الحفاظ على البيئة، فنهى صلى الله عليه وسلم، بل حكم باللعن، على من يبول المكان الذي يجلس فيه الناس ليستظلوا بظل الشجر، مما يجعل الناس يصبون عليه لعناتهم، لإفساده بيئتهم عليهم، ونهى صلى الله عليه وسلم أن البول في الماء الراكد، أو في موضع الاستحمام.
وبلغ من حرصه على الحفاظ على البيئة وما فيها، أن صدر منه صلى الله عليه وسلم حديث سبق به الدنيا والتشريعات والفلسفات البشرية بأسرها، بل وما سبقه من شرائع سماوية، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "دخلت امرأة النار في هرة (قطة) حبستها، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" فقد جعل الإسلام عقاب من أفسدت البيئة، بقتل أحد أفرادها وحيواناتها: النار، رغم أن الحديث لم يبين لنا، لماذا حبست المرأة الهرة، فقد تكون حبستها لأنها آذت أطفالها، أو لأنها أكلت طيورها، أو فعلت ما يدفع المرأة للغضب، ولكن رسول الإسلام الرحيم، الذي يأبى أن يعتدي إنسان على بيئته بالإفساد، حتى لو كان قتلا لحيوان، فهو أمر يحرمه الإسلام.
ولم يقف اهتمام الإسلام بالحفاظ على البيئة، والمحافظة على حيواناتها كذلك عند هذا الحد، بل حتى الحشرات التي لا تضر، نهى الإسلام عن الإفناء لها بالحرق، أو الإبادة الكاملة، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قرصت نملة نبيا من بني إسرائيل، فحرق قرية بأكملها من النمل، فقال الله عز وجل لهذا النبي معاتبا: ألأجل نملة قرصت، حرقت قرية من النمل تذكر الله" وهذا مصداقا لقوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) فالمسلم صديق للكون، محب للبيئة، يرى أن كل مخلوق فيها هو عبد لله، يسبح بحمد الله، ويذكره، وإن كان بلغة لا يفقهها، ولذا كنا نرى ثقافة في المجتمع المسلم الريفي البسيط تسود بينهم، وهي أن الكروان عندما يشدو بصوته الجميل، يقول: الملك لك لك لك يا صاحب الملك. وهو من تخيلات المسلمين بلا شك، ولكنه غذاه عندهم القرآن الكريم، بروح الحب للكون، والبيئة وما فيها.
بل رأينا عظمة التشريع الإسلامي ونظرته للحفاظ على البيئة حتى عند الحرب، ومعلوم أن الحروب لا يراعى فيها القانون، فهي حالة استثنائية من القانون، وكثيرا ما يتجاوز الناس الخلق والقانون في حالة الحرب، إلا أن الإسلام يرسي دعائم الخلق حتى عند الحرب، وبخاصة مع البيئة، والحفاظ عليها، فحرم الإسلام قطع الشجر، وتخريب البناء، وهدمها، أو تهديم أماكن العبادة، أو فعل ما يفسد على الناس البيئة، لأن الهدف من الحرب ليس إيذاء الرعية، ولكن دفع أذى الراعي الظالم وبذلك وردت الآثار في وصية أبي بكر الصديق خليفة المسلمين، للجيوش المسلمة عند الخروج للحرب: "اغزوا باسم الله، لا تقتلوا وليدا ولا امرأة، ولا شيخا مسنا، ولا تهدموا بيتا، ولا تقطعوا شجرة".
على خلاف شرائع أخرى سابقة نادت عند الحرب، بتدمير البيئة، وتخريبها، كما يحكي الكتاب المقدس عن نبي الله داود في الباب السابع والعشرين من سفر صموئيل الأول: 8 (وصعد داود ورجاله، وكانوا يهبون أهل جاسور وجرز وعمالق، لأن هؤلاء كانوا سكان الأرض من الدهر من حد سورا حتى حد مصر) 9(وكان يخرب داود كل الأرض، ولم يكن يُبقي منهم رجلا، ولا امرأة، ويأخذ الغنم، والبقر، والحمير، والجمال والأمتعة، وكان يرجع ويأتي إلى أخيس). إلى نصوص أخرى لا يتسع المقام لذكرها تبين أخلاق الديانات السابقة مع البيئة، من تدمير وتخريب لها، باسم الكتاب المقدس!
والاتجاه الآخر الذي يتجه الإسلام نحو البيئة هو: إعمارها، وإضافة الجديد لها، والعمل على تجديدها، ورعايتها بتنميتها، وزيادة مواردها. يقول الله تعالى عن أحد أدوار المسلم في الحياة، والغاية من خلقه في الأرض، (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) واستعمركم: أي طلب إليكم عمارتها، فعمارة الأرض في الإسلام فريضة يجب على المسلم أن يقوم بها.
وهذه الرعاية تتحقق بعدة أمور، سواء بغرس الشجر، وإكثار المساحة الخضراء في الحياة، فرأينا تشريع الإسلام الذي يملك الأرض الصحراء الجرداء لمن يعمرها ويغرسها، ويخضرها، يقول صلى الله عليه وسلم: "من أحيا أرضا مواتا فهي له" أي له حق ملكيتها إن حولها من أرض صحراء صفراء، إلى أرض حية خضراء.
بل وسع الإسلام دائرة الأجر، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسا فيأكل منه إنسان، أو حيوان، أو طائر، إلا كان له به أجر" فمما لا شك فيه: أن الفلاح يغرس الغرس، وقد يطعم بإردته إنسانا محبا له، وقد يسرق منه لص ما يطعمه، أو يأتي طائر فيأكل منه، كل هذا له عند الله به أجر، وذلك ليوسع الإسلام دائرة الأجر، لأنه صار بذلك مطعما للمجتمع، وعنصرا فعالا للخير فيه، وكذلك راعيا للبيئة التي يعيش فيها.
فأي دين سبق الإسلام، وأي تشريع جاء بما جاء به، ولنتأمل هذا النص في رعاية البيئة، وكيف جعل الإسلام جزاء رعاية البيئة دخول الجنة، يقول صلى الله عليه وسلم: "غفر الله لرجل سقى كلبا كان يأكل الثرى من العطش، فقال رجل: أئن لنا في البهائم لأجرا؟! قال: في كل ذات كبد رطبة أجر" أي أن كل كائن حي، يؤجر المسلم على رعايته، والاهتمام بشؤونه. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها وله بذلك أجر" إلى هذه الدرجة حث الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم على تشجير الكون، وإعمار البيئة، إلى آخر رمق في حياة الإنسان، بل إلى آخر لحظة في حياة البشرية كلها، لو قامت القيامة، وكانت هناك فسيلة نخل، معدة للغرس، وهناك مدة من الزمن تسمح للمسك بها بغرسها، فلا يلق بها، بل يغرسها، ويعتبر عمله من أعمال الآخرة التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، وللنظر إلى حرص الإسلام على أن يظل المسلم عاملا لما يخدم بيئته ومجتمعه، المعروف أن فسيلة النخل تحتاج إلى سنوات حتى تثمر، ويستفيد الناس من ثمرها،
ورأينا ثقافة إعمار البيئة عند المسلمين انطلاقا من كل هذه النصوص القرآنية والنبوية، ثقافة ملأت جوانب المجتمع المسلم، فقد مر أحد الناس على أبي الدرداء الصحابي الجليل، وهو يغرس نخلة، وكان قد شاخ وكبر سنه، فقال له الرجل: يا أبا الدرداء: أتؤمل أن تأكل منها؟! يتعجب ممن في سنه ويغرس، فقال أبو الدرداء: أيها الغافل، غرس الآباء فأكلنا، فوجب علينا أن نغرس حتى يأكل الأبناء.
هذه نظرة مختصرة جدا عن نظرة الإسلام للبيئة حفظا ورعاية، ولو أردت الإسهاب لسطرت عشرات الصفحات، ناقلا دررا عن ديننا الإسلامي الحنيف، وممارسات المسلمين في حياتهم، مما يعد سبقا لكل قوانين الدنيا بأسرها حفاظا على البيئة، ورعاية وتنمية لها.

عصام تليمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Sociable